الفنان بيتر بروغل الأكبر - رسم بالرصاص Drawing Pencil

الفنان بيتر بروغل الأكبر



الفنان بيتر بروغل الأكبر


من بين الفلاحين ظهرت قامة هذا الفنان ليتمرد على مواصفات عصر النهضة وينشىء فنا خاصا يمكن أن يطلق عليه فن الفقراء. 

(بيتر بروغل) فلاح من قرية (بروغل). تسمى باسم قريته. وقريته على بعد من مدينة (أنفرس) البلجيكية, أو (أنتورب) كما ينطقها أهلها الفلمنك .

وبلجيكا لها وضع جغرافي خاص. لقد قلبت القاعدة التي تقول إن أهل الشمال هم أحل الحضر.. أو المدينة, وأهل الجنوب هم أهل الريف أو السذاجة. 

أهل الشمال في بلجيكا هم الزراع القريبون من هولندا التي لا يغفل عن شهرتها الزراعية الريفية أحد. وأهل الجنوب هم سكان المدينة التجارية الصناعية الخبيثة. تقع العاصمة (بروكسل) في الوسط, تفرض سيطرة الجنوب المحنك على الشمال الريفي البسيط. تفرض بالتالي الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية على الثقافة الفلمنكية واللغة التي جمعت بين الهولندية والألمانية. 

لكن هذه قصة أخرى في حياة البلجيك والهولنديين لاتزال ساخنة إلى الآن سياسيا واقتصاديا. وإن كانت أيام الفنان (بيتر بروغل) أي قبل أن توجد بلجيكا أو هولندا كتسميات وتقسيمات سياسية. 


كانت لها أبعادها في توزيع وتكوين المزاج الفني العام بين الجنوب والشمال في أوربا الغربية.. بين إيطاليا عصر النهضة والأراضي المنخفضة (بلجيكا وهولندا آنذاك) المتخلفة الواقعة تحت الاحتلال الإسباني. 

لها دور أيضاً في توزيع الألوان والظلال والتكوين التشكيلي على فرشاه فنان ابن الشمال الذي حاول التمرد على مزاج ابن الجنوب. فالقاعدة التقليدية, كانت أيضا مقلوبة في كل أوربا بين الشمال والجنوب. إيطاليا وإسبانيا وأبناؤهما من أهل الجنوب هم البادئون بالنهضة في أوربا, ونعرف نحن العرب السبب فهما أقرب المناطق الجغرافية إلى زمان النهضة العربية, ورثا علوم العرب.. وكانت القفزة.

متمرد على النهضة 


(بيترل بروغل) ابن الشمال الذي ولد عام 1525 تمرد على قواعد عصر النهضة دون أن يدري. لقد عاش حياته بصدق فلم يعرف أنه متمرد. عرف فنون الجنوب في إيطاليا. تعرف على أعمال (دافنشي) و(رفائيل) و(انجلو), ولكنه أصر على طريقته في التعبير لأنه استمر يعيش حياته بصدق. وقد نعرف الآن أن إصراره هذا أنتج جديدا في زمانه. أنتج ثورة فنية. ولكن أهل زمانه لم يعرفوا, وربما لم يعرف هو نفسه. عاش فلاحا يرسم عالم الريف, وأثقال وهموم ابن الأرض, حتى عندما انتقل من القرية إلى المدينة. ومن المدينة إلى العاصمة. 

ولأن ثورة (بروغل) جاءت مبكرة, لذلك ذهبت في صمت. أو هي ذهبت في عروق الإبداع الفني ساخنة ولكن خفية. ذهبت لتعود بعد ذلك قوية عفية, في تكوينات, وألوان وأنغام, وشعر, ومسرح, ومدارس فنية حديثة. وإن جاء تمرده اللوني محدودا فذاك مرده لإمكانات زمانه. 

إلا أنه جاء في غير اللون عالي النغمات.. ساخط لاحتواء وسيطرة الملك, والكنيسة, والإقطاعي, والصراف, على الفن والفنان. تمرد تستمع فيه لنغمات مدروسة لا تقبل لا بالقلب, ولا بالعقل ترك الإنسان مطحونا مهموما مريضا معذبا ممزقا مصلوبا, لترسم الإنسان في سماوات الملائكة وبين أذرع الكائنات الأسطورية, أو لترسم الإنسان المتكامل الجسم.. قوة في عضلاته ونضاره في وجهه. تنسدل عليه ابتسامات الراحة والقبول, أو هي ابتسامات التسليم لملكوت أبدي, أو راحة غافلة.


تمرد تستمع فيه لنغمات ساخرة, ذكية, لماحه, لتناقض التكوين البشري, وتناقض الحياة 

تكوينات بروغل, لوحاته, تشكيلاته, ألوانه كانت تبشر بفورات سريالية, لتمرد العقل على العقل, لتمرد الإنسان على نظام الكون المرئي, ومحاولة البحث عن منظومة باطنية.. وربما جاءت أحيانا مجرد سخرية مريرة في كاريكاتير مبكر يطرح التساؤلات الدائمة, وينتظر الجواب.. دون جواب!. 

بيتر بروغل عاش طفولته في قريته, في زمان كانت المدينة في أوربا قد بدأت تتشكل.. تتمرد وتستقل. صارت في يد التاجر, والصراف, والعائد بثروة رحلات الكشوف الجغرافية الأولى, لكنها لم تخرج بعد من سطوة الملك, ورجل الدين, بينما بقيت القرية في يد الإقطاعي المدعي بامتلاك الأرض ومن عليها. 


مات أبوه وهو صغير, وتزوجت أمه من رجل جشع يصغرها في السن طمعا في (ألحانه) التي تمتلكها. بعد الزواج طارد الطفل (بيتر), وكانت حواسه قد بدأت تتجه إلى الرسم, ورغبة التعبير عن ذاته وأحزانه. اضطر (بيتر) لهجر القرية بعد وفاة أمه. انتقل من اقطاع لآخر. ذاق مرارة زمانه قبل أوانه. كان أحيانا يضطر للتسول أمام أبواب الكنائس. 

توزعت مشاعره بين الصور الرهيبة التي رسمها رجال الدين لعالم الجحيم الذي سيبتلع الخاطئين وأولهم المتمردين, وبين الصور الموجعة التي عاشها يشهد فيها المجاعات, والاضطهادات, والصراعات بين الكاثوليك والبروتستانت. وعندما وصل إلى مدينة انفرس (انتورب) أول مدينة يشهدها في حياته, تعرف على أعمال الفنان (هيرونيموس بوش) الذي توفي قبل ميلاد (بروغل) بتسع سنوات 1516. ويكفي أن نتأمل عملا من أعمال هذا الفنان حتى ندرك إعجاب (بروغل) به إلى آخر حياته. (بوش) كان يرسم عوالم متلاحمة متناقضة. فإلى جوار العذراء, والمسيح, والملائكة المحلقين, كان يرسم صراعات الحياة على الأرض.. سطوه الإقطاعي, جشع التاجر, عذاب الفقير.. القتل, الذبح, الجوع, المرض, اشتباك الأحياء, جثث الأموات, تداخل بين الحياة والموت, كائنات مشوهة لاهي من البر, أو البحر, أو الفضاء, لها مناقير, أو خراطيم, أو بطون منتفخة, أو هياكل لها أفرع يابسة.


تبين (بروغل) أنه في زمان يحاول أن يفصل بين الخيط الأبيض والخيط الأسود, جاءت أعماله صريحة في حديثها بالخيط الأبيض. تعرف على الفنان (كوايك) من أكبر الفنانين الفلمنكيين آنذاك. ولكنه كان كغالبية أهل زمانه تقليدي النزعة, يرى في الفن شريحه من الخير والجمال والعدل بين طبقة السادة فقط. وما عداهم فلاحون أجلاف, تخلو حياتهم وملامحهم وأعمالهم من لمحة جمال يمكن أن تفرض نفسها على فرشاة وألوان الفنان, بل كلمات وإبداع الشاعر أو الأديب. الفن في نظره لا يكون إلا بطريقة المدرسة الإيطالية. إما أرضي يصور الباباوات وقصور الدوقات والملوك, أو سماوي يصور الملائكة والقديسين. 

اختلف (بروغل) مع أستاذه فمازالت صور (بوش) تثير إعجابه, ولكنه ظل في صحبه (كوايك) خمس سنوات عاشها في جو أسرى. عقد فيها صداقة بريئة مع (ماري) ابنة أستاذه وكانت طفلة صغيرة. وحينما قرر (كوايك) الرحيل إلى بروكسل كان (بروغل) قد تعرف على تاجر لوحات اسمه (كوك) تولى تسويق أعماله برغم ما أشيع عن أن فنه من إنتاج فلاح يطلقون عليه أحيانا بيتر المضحك, أو بيتر الغريب. 

وقرر (كوك) أن يرسل (بروغل) في بعثة لدراسة الفن في منابعه وأصوله الكلاسيكية, ونهضته الآنية.. يرسله إلى إيطاليا.



في عالم الكوميديا الإلهية 



وصل بروغل إلى إيطاليا في وقت رسوخ القواعد الفكرية التي أحيتها النهضة. العودة إلى تراث اليونان والرومان. وفي وقت رسوخ القواعد الفنية التي وضعها ثلاثي النهضة.. دافنشي ورفائيل, وأنجلو المثالية القائمة على الإيقاع, والانسجام, والتنسيق, والنظام, والهدوء. دافنشي كان قد مات منذ 31عاما, ورفائيل منذ 30 عاما. وبقيت الريادة في يد أنجلوا إلى أن مات عام1541. 


وصل بروغل إلى إيطاليا في عام 1550 والجيل الثاني من الفنانين يلهث في محاولة الوصول إلى عبقرية وإبداع جيل الرواد الثلاثة. مازالت القدسية قائمة لأعمال التصوير الهائل الموسوعية التي وضعها (أنجلو) في كنيسة (سكستين).. الخلق, فصل النور عن الظلمة, خلق الشمس والقمر, خلق الرجل, خلق المرأة.. ذكرى الساعات الطويلة التي كان يقضيها معلقا في سقف الكنيسة لمدة أربع سنوات كاملة, كانت لاتزال أيضا غير بعيدة عن أذهان أهل روما, وأهل إيطاليا. أعمال رفائيل وحياته القصيرة لاتزال إيضاحية, لقد استهلك شبابه في سبيل إبداع وإحياء ذكرى القديسين, والمادونا, والمسيح والتجلي. ولكن أيضا إحياء لذكرى أرسطو, وأفلاطون, ومدرسة أثينا, وانتصار جلاتيا في عالم الأساطير الوثنية. 

وكانت أعمال دافنشي قد دخلت في حوزه الملك فرنسوا الأول في باريس. ذاعت شهرتها وامتذ سلطانها كأسلوب فني إلى العديد من الفنانين في فرنسا وإسبانيا وشمال أوربا.


أهل النهضة في إيطاليا قاموا بإحياء تراث اليونان الفني, وهو تراث نحتي بالدرجة الأولى, لذلك جاءت أعمالهم التصويرية شبه نحتية في الشكل, أما في المضون فقد حمل هذا الالتزام الفني نوعا من التناقض في حياتهم وفي إنتاجهم. لقد حاولوا التوفيق بين ما للكنيسة أو ما للدين من التزامات سماوية, وما للأرض من تراث اليونان من التزامات أرضية. التصوير العادي الموروث من منحوتات اليونان وظف لصالح القصص الدينية أو الكنيسة. 

رسم فنانو النهضة الشخصيات الدينية من المسيح, إلى العذراء, إلى القديسين والملائكة عراه, أو شبه عراه بالرؤية الجمالية اليونانية. 

وتمثل التناقض الدرامي في موقف (أنجلو) من تمثاله موسى. لقد نحته في أكمل صورة تصورها, أو بمثالية يونانية. وكاد أن يجن. أصابة غرور الخلق فضربه بمعوله قائلا.. انطق يا موسى.

ولم ينطق تمثال موسى

أنجلو وغالبية الفنانين الكبار وحتى الصغار في زمانه انشغلوا بدورة درامية سلفية, أكثر من انشغالهم بدورة درامية واقعية كانت حلقاتها تحتد وسط الفقراء. 

لقد أدركها (بروغل). ففي وسط دوامة الصراع بين التراث القديم ومحاولة النهضة وانحلال بقايا العصور الوسطى من ملك وبابا, تناسى أهل ذلك الزمان ـ وكما يحدث عادة ـ الفقراء.. الغالبية, مادة الإنتاج, مادة صناعة التاريخ. إيطاليا ممثلة النهضة الأرضية كانت لاتزال تعيش أزمة (دانتي اليجيري) ابن القرن 14م الذي توزعت مشاعره بين القانون الكنسي الجائر, وحقوق ومشاعر الإنسان المطحون.



عودة (بروغل) إلى الأرض 



عاد (بروغل) إلى (انفرس).. عاد إلى الأرض. لم يعجبه تحليق الفنان الإيطالي في سماوات الأحلام أو الآمال.. وربما الأوهام. رسم عام 8551 لوحة (الأمثال) وكانت فكرة تصوير الأمثال الشعبية شائعة. ولكن جاء تصوير (بروغل) لها بتفرد خاص. رسم عدة شخصيات تمارس كل منها عملا شاذا.. لا هو بالجنون, ولا هو بالعقل.. رجل يسبح ضد التيار, وآخر يذهب ليعترف للشيطان, وثالث يجلس على الأرض بين مقعدين خاليين, ورابع يضرب رأسه في حائط يحاول هدمه, وخامس يبذر قمحه في مهب الريح وسادسة تسير وراء زوجها العجوز تغطي وجهه وكتفيه بمعطف واسع حتى تخفي عنه خيانتها. 

وفي عام 1899 عثر على اثنى عشر (طبقا) رسمها (بروغل) تمثل أيضا نماذج بشرية غريبة. بعضها رسمه في لوحة (الأمثال) مثل الرجل المهووس الذي يحاول أن يهدم الحائط برأسه, أو الآخر الجالس على النار بين مقعدين خاليين. رسم أيضا على طبق من هذه الأطباق رجل يبول على قمر قريب منه!, وعلى آخر رجل يحاول أن يحجب ضوء الشمس عن سطح الماء, وعلى ثالث امرأة تمسك بالنار والماء. وعلى رابع رجل يملأ البئر بينما يغرق فيها عجل صغير. وعلى خامس رجل يطعم الزهور للخنازير, وعلى سادس رجل يصطاد السمك عكس الشبكة.



رسم (بروغل) هذه المجموعة عام 1558 أيضا. وفيها رسم لوحته الشهيرة (سقوط إيكاروس) تمثل تجربة ذلك الشاب اليوناني الذي أراد الطيران بأجنحة مثبتة بالشمع. قفز من أعلى الجبل فساح الشمع بفعل الشمس الساطعة في سماء هادئة. سقط (إيكاروس) في جوف الماء. وعادت الطبيعة تمارس هدوءها وجمالها في اللوحة وكأن شيئا لم يكن. 

من لوحات هذه المرحلة أيضا لوحة (معركة كرنفال). وكرنفال هذا يمثل الإقطاعي الثري البدين, أو يمثل أيام (الإفطار). يركب الإقطاعي برميلا ضخما ويسير في ركابه أعوانه, ويدخل في معركة مع عجوز تركب عربة يجرها راهب وراهبة.. إنها تمثل أيام (الصوم). 

تدور المعركة بينهما على صورة كاريكاتورية, يحيط بهما مجموعة من الفلاحين في سوق القرية. البعض يثرثر, والبعض يبيع أو يساوم. البعض يلعب القمار, والبعض يتأمل حال الشحاذين وذوي العاهات والمشردين. 

ولوحة (انتصار الموت) رسمها (بروغل) عام 1562 لوحة موسوعية الموضوع, مأساوية المضمون. مزدحمة التفاصيل. الموت يطارد العالم في جهاته الواسعة المترامية, في كل ركن, وفي كل زاوية يدخل الموت خفية. يفاجئ اللاهي على مائدته, أو اللاعب بنرده, أو الغافلة في لحظة عشق, أو الأم المحتضنة لطفلها. فرسان يحاولون محاصرة هياكل الموت العظيمة. والموت يحصدهم ويسخر من بطولاتهم الساذجة. عربة يجرها حصان هزيل يدفعه هيكل عظمي, العربة والجماجم في صحبة منجل الموت يحصد بلا حصر. أعداد تذهب بضربات سريعة وسط جو مظلم, وأبخرة سوداء, وأعواد مشانق.. معسكرات للموت, مأساة يعيشها البشر كل يوم ولا يدركون هولها إلا في لحظة تعب الجميع في جوفها اللا نهائي.. قصة مكررة, وعبرة منسية!. 


لوحة (انتصار الموت) عمل نادر لبروغل, ستظل محيرة للعديد من من الفنانين, ستظل أيضا مصدراً لإبداع مدارس فنية جديدة.. لقد جمعت بين الواقعية والتعبيرية والسريالية. 

وفي عام 1563 رسم (بروغل) لوحة (الغراب فوق المشنقة). دراما جديدة تجمع بين رغبة الحياة البسيطة في جبل بعيد هادئ, وبين مطاردة في أعلاها غراب أسود. الفلاحون المتعبون يرقصون على بعد من المشنقة المنصوبة غافلين أو متغافلين.. الطبيعة نظيفة, نقية يترصدها الإنسان بصناعة الموت. 

وغير المآسي رسم (بروغل) لحظات الفرح بين أهل القرية في لوحة (فرح القرية) مركز اللوحة ليس العروسان, ولكن ضربات الرقص العفوية, أو عازف موسيقى القرب, أو حامل أطباق الطعام. 

وفي هذه المرحلة رسم لوحة بانورامية نادرة باسم (لعب الأطفال). سجل فيها ما يقرب من 90 لعبة, يمارسها أكثر من 200 طفل من أعمار متفاوتة في الهواء الطلق, على ضفة النهر, وفي طرقات المدينة. ألعاب مازالت تمارس بين أطفال زماننا, منها السباحة, تسلق الأشجار, الرقص الدائري, لبس الأقنعة, تخطي الأرجل دون السقوط, السواتر, إلقاء الكرات, العرائس, الطائرات الدائرة بجذب الخيط, مهارة الالتقاط بالإيدي, الطبل والزمر, ركوب العصي كحصان, التأرجح بين الأذرع, الألعاب الأكروباتية, إدارة الطائرات الورقية, إطلاق القذائف من الأنابيب بالدفع, الاختباء, القفز على الظهور, ركوب البراميل, دفع الإطارات, التوازن في حمل العصى على الأصابع, الكيل والميزان كالكبار, تسلق الجدران, السير بارتقاء العصى الطويلة, الهرولة في طوابير مترابطة, الكراسي الموسيقية, امتطاء المكانس كالساحرات. 

وقدم (بول هيرمان), مع (هيليج برن) دراسة تفصيلية لهذه اللوحة في كتاب حمل عنوان اللوحة. تناولت أصول هذه الألعاب فلكلوريا, وارتباطها بعادات بسطاء القوم. وكشفت تفاصيل اللوحة في الكتاب المعالجة التشكيلية البارعة التي لجأ إليها الفنان (بروغل). فاختفاء التفاصيل في لوحة تكاد تكون تسجيلية, يخدم في جمع هذا الكم الهائل من الأفراد. ولعل الأهم هو التكتيل اللوني لحساب براعة الحركة, وإعطاء المضمون في ضربات واثقة, وفي توازن تشريحي ابتكره الفنان, ينداح في المكونات دون نفور كمفردات صغيرة, وكاتساع بانورامي. 

واللوحة في العام والخاص هي إرهاص جسور لم يدخل معتركه الفنان الغربي, إلا بحذر وفي أواخر القرن الماضي. وقطع شوطاً تجريبياً, إلى أن استقر الآن تجريديا في العين الجمالية المعاصرة. 

لوحات (بروغل) حاورت الإنسان ابن الأرض, لم تبالغ في جماله أو قوته, لم تحلق به في سماوات الملائكة والقديسين فابن الأرض كان عند هذا الفنان هو الفلاح الذي طحنه الإقطاعي في طاحونته, وغيبته الكنيسة في أوهامها. 

استقرت حياة (بروغل) الخاصة بعد زواجه من (ماري) ابنه أستاذة (كوايك) الذي رحل إلى بروكسل قبله بسنوات, ولحق به (بروغل) واستقر في عام 1563 أيضا في بروكسل, أنجب (بروغل) الصغير عام 1564, و(جان) عام 1568 وعرف للفنان (بروغل) سلالة فنية استمرت لأجيال. 

مرض (بروغل) في سنواته الأخيرة بمعدته, وفي 4 سبتمبر عام 1569 توفى في بروكسل. ولاتزال متاحف بلجيكا خاصة (بروكسل) و(انفرس) (ماير فان دين برج) تحتفظ بالعديد من أعماله.



ردة روبنز 

بعد وفاة (بروغل) بثمانية أعوام ولد الفنان (بيتر بول روبنز) الذي حمل لواء الردة الفنية. لقد خرجت عارياته الأمازونات, الفلمنكيات, الأسطوريات عن دعوة (بروغل) البسيطة. لقد عاد بالفن إلى التحليق بعيدا عن أرض الواقع, إلى حس ملموس فج, وسط خيالات بعيدة. جاء زمان يسمى في تاريخ الفن بحقبه (الباروك) فن هجين, مستهجن في موضوعاته الدينية الدنيوية. 

وفي متحف (انفرس) تقف لوحات (روبنز) المبالغة في حسيتها, لتتحدى لوحات (بروغل). لقد استطاعت أن تؤخر دعوته وثورته. 

والحقيقة أن العصر بكامله خاصة القرن السابع عشر, كان يمثل خليطا حسيا صريحا في المسرح, كما في الفن التشكيلي.. وفي الحياة. 

كانوا يقدمون ألوانا من الغموض, والغيب, والأرواح, والمصادفات, والقرصنة. يقتتلون وتتمزق الأوصال في عته. يفترسون النساء في نزق. يمارسون الزنا في سفه.. ويقتدون في ذلك بسيرة بعض الباباوات العفنة. 

عرف هذا الزمان الفني المصطنع, والزخرف الزائد, وانعزال كل فرد في جزيرة نائية زمان البؤس, والحروب, والمجاعات, والأوبئة, والصراعات الطبقية والدينية والسياسية.. وكان على فن (بروغل) أن ينتظر طويلا. 

بين حقبة دافنشي, ورفائيل, وأنجلوا, وحقبه (روبنز) ظهرت ومضة الفنان (بروغل). ومعته الشمال الريفي النقي, أمام شعلة الجنوب المتحضر الخبيث. 

فن التصوير في عصر النهضة كان يونانيا يعيش في قمة الأولمب بقوالب مسيحية, وجاء (بروغل), بفن تصوير الحياة بحلوها ومرها. رده (روبنز) إلى شكل مصطنع زخرفي مبالغ مبتذل عرف بزمن الباروك. 

وجاءت الثورة الفرنسية محمولة على أعناق الرومانسية, ولعل لوحة (الحرية تقود الثوار) لـ ديلاكروا خير ما يلخص ذلك. ولأنها ثورة تدعو للتغيير دون بديل, لذلك سهل على الفنان (دافيد) أن يخترقها فنيا إلى حين أعاد الكلاسيكية الجامدة ليصور الإمبراطور نابليون المرتد إلى السلطان المطلق. 

وحينما بدأ الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, التحولات الاقتصادية السياسية الاجتماعية المفصلية, مع إدراك الفنان الغربي لأهمية فنون الشعوب غير الأوربية, التي أيقظت الوعي بعمق المعالجة التجريدية في التشكيل, بدأ الجميع يدركون أهمية, وريادة وخصب الفنان (بروغل). وسبقه التقاط المرئيات بعين شبه تجريدية, لتعرض الواقع المرير بغير توريه.

كاتب د. محمد مهدي 



إرسال تعليق

0 تعليقات